أحمد مصطفى المراغي

65

تفسير المراغي

حرص أشد الحرص على ألا يظهر نبي من العرب يكون لأصحابه ملك يخضع لهم فيه بنو إسرائيل ، ولا تزال هذه حالهم إلى اليوم ، فإن تم لهم ما يسعون إليه من إعادة ملكهم إلى بيت المقدس وما حوله فإنهم يطردون المسلمين والنصارى من تلك الأرض المقدسة ولا يعطونهم منها نقيرا . ولكن هل يعود الملك كما يريدون ؟ ليس في الآية ما يثبت ذلك ولا ما ينفيه ، وإنما الذي فيها بيان طباعهم فيه لو حصل . ثم انتقل من توبيخهم بالبخل إلى توبيخهم بالحسد فقال : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) أي إن هؤلاء يريدون أن يضيق فضل اللّه بعباده ، ولا يحبون أن يكون لأمة فضل أكثر مما لهم أو مثله ، لما استحوذ عليهم من الغرور بنسبهم وتقاليدهم مع سوء حالهم . وهم قد رأوا أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم بعد أن أعطى النبوة جعله اللّه كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أعوانا وأنصارا من أجل هذا حسدوه حسدا عظيما . وبعد أن ذكر أن كثرة نعمه عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهود ، بين ما يدفع ذلك الحسد فقال : ( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) أي إن يحسدوا محمدا على ما أوتى فقد أخطئوا ، إذ ليس هذا ببدع منا ، لأنا قد آتينا مثل هذا من قبل لآل إبراهيم والعرب منهم فإنهم من ذرية ولده إسماعيل ، فلم لم تعجبوا مما آتى آل إبراهيم وتعجبون مما آتى محمدا صلى اللّه عليه وسلم ؟ ولم لا يكون مستبعدا في حق هؤلاء ومستبعدا في حق محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ وفي الآية رمز إلى أنه سيكون للمسلمين ملك عظيم يتبع النبوة والحكمة ، وقد ظهرت تباشيره عند نزول الآيات بالمدينة ، فقد قويت شوكتهم وأخذ أمرهم يعظم رويدا رويدا . والخلاصة - إن اليهود إما مغرورون مخدوعون يظنون أن فضل اللّه لا يعدوهم ، ورحمته تضيق بغيرهم ، وإما حاسبون أن ملك الكون في أيديهم ، فهم لا يعطون